نساء على خط النار.. تصاعد العنف الأسري في لبنان في ظل قصور القوانين وآليات الحماية

نساء على خط النار.. تصاعد العنف الأسري في لبنان في ظل قصور القوانين وآليات الحماية
وقفة احتجاجاية لمجموعة من اللبنانيات - أرشيف

في بيوت كان يُفترض أن تكون ملاذاً آمناً، تتحول الجدران إلى شهود صامتة على عنف يومي، تُكتم فيه الصرخات وتُخفى الكدمات تحت ثياب فضفاضة وأعذار جاهزة، وفي لبنان، حيث تتراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية بلا هوادة، تقف آلاف النساء على خط النار، يواجهن عنفاً أسرياً متصاعداً لا يجد ما يردعه أو يحمي ضحاياه بفاعلية.

ولم يعد العنف الأسري في لبنان حالات فردية أو قصصاً معزولة، بل ظاهرة آخذة في الاتساع، تغذيها الضغوط المعيشية، والانهيار الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة، وتآكل منظومات الدعم الاجتماعي.

وتشير منظمات حقوقية محلية إلى تزايد البلاغات المتعلقة بالعنف الجسدي والنفسي والاقتصادي، خصوصاً بعد الأزمات المتلاحقة التي دفعت بالعائلات إلى حافة الانفجار.

وعلى فداحتها، فالأرقام لا تزال عاجزة عن تجسيد الصورة الكاملة، فالكثير من النساء لا يبلغن عن الانتهاكات؛ خوفاً من الوصم الاجتماعي، أو فقدان المأوى، أو الانتقام، أو لأن القانون ذاته لا يمنحهن شعوراً حقيقياً بالأمان.

ورغم إقرار لبنان قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري، فإن منظمات حقوقية ترى أن القانون ما زال يشوبه قصور واضح، سواء في تعريف العنف، أو في آليات التنفيذ، أو في ضمان سرعة الاستجابة، فالإجراءات القضائية قد تستغرق وقتاً لا تملكه الضحية، وأوامر الحماية لا تُنفذ دائماً بالصرامة المطلوبة، في ظل نقص الموارد وضعف التنسيق بين الجهات المعنية.

وتترك بعض النصوص القانونية ثغرات تسمح بتغليب اعتبارات "الصلح العائلي" على سلامة المرأة، ما يعيد إنتاج دائرة العنف بدل كسرها، لكن الخطر لا يقف عند حدود التشريع فحسب، بل يمتد إلى الثقافة المجتمعية التي كثيراً ما تُحمل الضحية مسؤولية ما تتعرض له، وتطالبها بالتضحية والصبر حفاظاً على "سمعة الأسرة"، حيث تجد النساء أنفسهن محاصرات بين عنف الشريك، وضغط المجتمع، وعجز الدولة.

ورغم الجهود التي تبذلها منظمات المجتمع المدني وخطوط الدعم النفسي والقانوني، فإن هذه المبادرات تعمل غالباً بموارد محدودة، في مواجهة أزمة تتطلب تدخلاً وطنياً شاملاً.

وبات تصاعد العنف الأسري في لبنان انعكاساً لأزمة اقتصادية أو سياسية، بل مؤشر خطير على هشاشة منظومة الحماية الاجتماعية والقانونية، فالنساء اللواتي يعشن على خط النار اليوم، يحتجن أكثر من بيانات إدانة أو وعود إصلاح، يحتجن قوانين أكثر صرامة، وآليات حماية أسرع، وثقافة مجتمعية تنحاز لحقهن في الأمان والحياة الكريمة.

خطوط نيران متعددة

بدوره قال الباحث والمحلل السياسي طارق أبو زينب في حديثه لـ"جسور بوست" إن تصاعد العنف الأسري في لبنان لا يمكن اختزاله في قصور التشريعات وحده، بل هو انعكاس مباشر لانهيار اقتصادي خانق، وتراجع أداء مؤسسات الدولة، واستمرار ثقافة مجتمعية تبرّر العنف وتغلفه بالصمت.

وأكد أبو زينب أن الأزمة بنيوية وليست ظرفية، إذ تبدأ من غياب الحماية الفعلية للنساء، ولا تنتهي عند عجز منظومة العدالة عن الردع والمحاسبة، مضيفاً أن النساء في لبنان يجدن أنفسهن اليوم على خطوط نار متعددة، اجتماعية واقتصادية وأمنية، في ظل غياب شبكة حماية حقيقية قادرة على كسر دائرة العنف.

وشدد على أن إنصاف المرأة لا يتحقق عبر الشعارات أو الحملات الموسمية، بل من خلال تطبيق صارم للقانون، وعدالة سريعة وفعالة، وحماية فورية، وتمكين اقتصادي حقيقي يحرر النساء من الابتزاز والعنف.

وختم أبو زينب بتأكيد أن الدولة اللبنانية مطالبة بالانتقال من إدارة الأزمة إلى مواجهتها؛ لأن كرامة المرأة ليست قضية حقوقية فحسب، بل ركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي والأمن الوطني.

عقلية "العيب"

واستبعدت أستاذة القانون العام في الجامعة اللبنانية الدكتورة هالة أبو حمدان، في تصريح لـ"جسور بوست"، وجود قصور جوهري في القوانين أو آليات الحماية المعتمدة لحماية المرأة في لبنان، مؤكدة أن هناك منظومة من الآليات القانونية والمؤسسية المتاحة في هذا الإطار.

وأشارت أبو حمدان إلى أن تزايد منسوب الوعي المجتمعي، إلى جانب الدور المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي وآليات النشر الحديثة، أسهم بشكل كبير في إبراز قضايا العنف ضد المرأة وإخراجها إلى العلن بصورة أوضح أمام الرأي العام.

واعتبرت أن القوانين الحالية "لا بأس بها" من حيث النصوص، لافتة إلى وجود عدد كبير من الجمعيات المعنية بحماية المرأة، وجهات متعددة تعمل في هذا المجال، فضلًا عن خطوط ساخنة وحملات توعوية مستمرة.

ورغم توفر هذه الآليات، رأت أبو حمدان أن المعوق الحقيقي لا يكمن في القوانين بحد ذاتها، بل في العقلية السائدة ومفهوم "العيب" الذي لا يزال يقيد النساء ويمنعهن من اللجوء إلى الحماية القانونية.

ولفتت إلى أن المرأة في بعض المجتمعات التي تعاني من ضعف الوعي الحقوقي لا تدرك حقوقها الأساسية، إذ لا تصل حملات التوعية إلى جميع الفئات، ما يحرم عددًا كبيراً من النساء من معرفة قدرتهن على التحرر من العنف، أو تقديم الشكاوى، أو اللجوء إلى الجهات المختصة.

المحاكم الشرعية

سلّطت أبو حمدان الضوء على إشكالية وصفتها بـ"الكبرى"، تتمثل في قصور قوانين الأحوال الشخصية، موضحة أن المرأة لا تزال خاضعة لسلطة المحاكم الشرعية التي لا تستند إلى تشريعات مدنية يقرها مجلس النواب، بل إلى قواعد شرعية وفقهية يصعب تطويرها أو تحديثها.

وأكدت أن هذا الواقع يضع المرأة أمام قيود قاسية، إذ قد تُحرم من حضانة أطفالها في حال طلبت الطلاق أو غادرت بيت الزوجية، ما يدفع كثيرات إلى تفضيل الصمت و"ابتلاع المرّ" خوفاً من خسارة الأبناء، والوصمة الاجتماعية، والضرر بالسمعة.

وأضافت أن النظرة المجتمعية تزيد من تعقيد المشهد، حيث تُوصم المرأة التي تطلب الحماية من الجمعيات أو تتقدم بشكوى للسلطات الأمنية بأنها "خارجة عن الطاعة"، ويتحول الأمر إلى وصمة اجتماعية تهدد سمعة الأسرة وأبنائها، ولا سيما البنات، ما يعزز قناعة المرأة بأن الصمت هو الخيار الأقل كلفة.

وختمت أستاذة القانون العام في الجامعة اللبنانية تصريحها بنبرة تفاؤل حذر، معتبرة أن حدة هذه الظاهرة بدأت بالتراجع نسبيًا، بفعل ارتفاع مستوى الوعي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي أتاحت فرصًا أوسع للتوعية مقارنة بالماضي.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية